ابن عربي
145
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
إلى التحقق كشفا بالأسماء الإلهية ، وقوله : تحارب خوف لي وخوف من أجلها يقول : في قلبي خوفان خوف من أجلي وخوف من أجلها ، وهما قرنان قويان ، كل واحد منهما لا يسأل عن صاحبه ، فالخوف الذي من أجلي هو على بصري عند التجلي أن تخطف نوره سبحاتها ، والخوف الذي هو عندي من أجلها هو على سمعها لئلا يصم من صوت بكائي عليها وجعل المطلوب هنا قد تجلى له في صورة برزخية في عالم المثال فنسب إليه ما ينسب إلى الصور لما نزلت إليها احتاج هو أن ينزل في العبارة ، وهكذا أوردت النبوءات في كلامها ، ولا سيما وقد ورد : « ما أذن اللّه لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن » « 1 » أي ما استمع . [ مفارقة النفس للجسم ] وقال رضي اللّه عنه : إذا ما التقينا للوداع حسبتنا * لدى الضّمّ والتعنيق حرفا مشدّدا فنحن ، وإن كنّا مثنّى شخوصنا * فما تنظر الأبصار إلا موحّدا وما ذاك إلا من نحولي ونوره * فلو لا أنيني ما رأت لي مشهدا الحرف المشدد حرفان مبطون أحدهما في الآخر ، يقول : النفس عند المفارقة للجسم تحن بهذه الحالة ، فنحن وإن كنا اثنان في المعنى فما تقع العين إلا على شخص واحد وسبب تعشقها به كونها ما نالت الذي نالت من المعارف إلا بحبسها فيه واستعمالها له فيما أمرت به من الخدمة الموضوعة الإلهية والإشارة هنا أيضا إلى قوله ( أنا من أهوى ومن أهوى أنا ) والوداع المذكور مع هذه الإشارة هو أن يتميز ما ينبغي له عن ما لا ينبغي لمحبوبه فيأخذ هذا صفاته وهذا صفاته ، وقوله : وما ذاك إلا من نحولي ، يريد أنه من عالم اللطف ونوره يعني لقوته ذهب ببصره عن إدراكه ولطافتي وقوله : فلو لا أنيني يريد ما أراد المتنبي « 2 » بقوله : لولا مخاطبتي إياك لم ترني وقال الآخر :
--> ( 1 ) أخرجه الدارمي في ( السنن 2 / 473 ) ، والبغوي في ( شرح السنة 4 / 484 ) ، وابن أبي شيبة في ( المصنف 2 / 528 ) ، والخطابي في ( إصلاح خطأ المحدثين 30 ) ، ( هروي 2 / 138 ، 141 ) . ( 2 ) هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي ( 303 - 354 ه - 915 - 965 م ) أبو الطيب المتنبي الشاعر الحكيم ، وأحد مفاخر الأدب العربي . ولد بالكوفة في محلة « كندة » ونشأ بالشام ، ثم تنقل في البادية يطلب الأدب وعلم العربية وأيام الناس . وفد على سيف الدولة بن حمدان فمدحه وحظي عنده ، ومضى إلى مصر فمدح كافور الإخشيدي . وزار بلاد أخرى فعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه فقتله . له ديوان شعر . الأعلام 1 / 115 ، وابن خلكان 1 / 36 ، وتاريخ بغداد 4 / 102 .